ابن رشد
94
مجموعة الرسائل ( تسع رسائل )
الأمزجة الخارجة عنه ، إنما يوقف عليه بالقياس إليه ، وذلك لا يكون إلا بعد المعرفة به . وبالجملة فمعرفة ما خرج عنه يكون من قبل المعرفة به من أسهل الأمور . ونبتدئ في ذلك بتعريف المعتدل في جملة الجوهر ، أعنى المعتدل في الكيفيات الأول ، لأن المزاج المعتدل في الناس قريب منه ، وقبل ذلك ، نلخص ما يحتاج إليه في هذا الفحص من الأسماء . ( 55 ) فنقول : إن المزاج منه ما هو بالفعل ، ومنه ما هو بالقوة . والذي بالقوة هو الذي لم يصر بعد إلى ما يوصف به من الكيفيات المنسوبة إليه . لكن مصيره إلى تلك الكيفية أو الكيفيات من أسهل الأمور ، إذ كان متهيئا بطبعه لظهور تلك الكيفية أو الكيفيات فيه . وإذا كان ذلك كذلك فلنلخص تمييز الأشياء التي هي بالفعل متصفة بالكيفيات الأربع ، ونبتدئ من ذلك بتعريف المعتدل في جملة الجوهر ، ثم المعتدل في الجنس والنوع . ( 56 ) فنقول : إن الوقوف على أن المتوسط في كل واحد من الأجناس المعتدل منها ، وبخاصة الذي في جملة الجوهر ، سهل . وذلك أنك إذا تصورت أحرّ الأشياء وهو النار ، والماء الذي في غاية الغليان ، والشئ الذي في غاية البرد مثل الجمد والثلج ، فتوهمت كل ضد منهما في جنسه مساو بالقوة الآخر ، وذلك في كمية واحدة محدودة في كل واحد منهما ، ثم خلطتها خلطا ، يكون المتوسط منهما في الكمية والكيفية بعده من الأطراف بعدا متساويا ، حتى لا تكون فيه كيفية غالبة لكيفية ، أمكن أن يتصور هذا المركب . وقد يتفق لك بالحس عندما تأخذ قدرا من الجمد متساويا لقدر من الماء المغلى فتخلطهما . وذلك أنك تدرك